مذكرات رجل شرقي
الأميرة
سار الحديث على درب الهدوء ، ممتعا رغم قصر طوله كشجيرات زيتون مازالت في عامها الأول ، لم تكن عصافير النافذة بعيدة فهي كانت ترقب المشهد عن قرب غير خائفة من بندقية صياد يختلسها فجأة وأحيانا تركب موجة الخجل عندما تتشابك الأيدي كلحن موسيقي مع مغن من زمن القياصرة .
هي الأميرة الصغيرة الجميلة ذات الشعر الطويل الذي يعانق الليل بصخب مطر الشتاء ، إنها حسناء احتست اسمها من جمالها وسمرة اختزلت الشرق كله ، بينما كان الشاب ليوناردو في سحر العقد الرابع يناظرها بشغف الأرض كلها .
انتهى الحديث عند عبور الشمس خط الأفق ، فغادرت العصافير الصغيرة إلى أعشاشها بنشوة ، أقفلت السماء على حمرة محببة ، ابتعدت الأيدي عن بعضها البعض على حين غرة .
ساعات فقط مرت من هنا عابرة المكان والزمان قارئة ما جرى قبل أن يحط الليل رحاله بينما كان صرير سكة الحديد يرتفع رويدا رويدا مع قدوم القطار الذي اعتاد أن يأتي بعد منتصف الليل بقليل مع دخان يضيع في ظلمة موحشة .
( لا تكلمني بعد الآن ) نظر الشاب إلى حسناء من خلف الشاشة بدهشة ، ظن لأول وهلة بأنها تمازحه وهي التي اعتادت أن تفعل ذلك في سالف الأيام ، لكنها كررت عبارتها بقسوة وعناد للمرة الثانية والثالثة ، لم تجب عليه ولم تبح بسرها ، أطبقت السماء على الأرض ، ارتفع منسوب الظلام ، الرأس لم يعد يحتمل التمييز بين الكلمات ، حينها توقف كل شيء عن الدوران حتى عقارب الساعة انحنت خجلا بحضرة دمعة باردة سقطت من عين ليوناردو ( ماذا حصل للأميرة ) سأل نفسه لكن الأجوبة كلها كانت كذرات الغبار تكنسها الريح دون رأفة .
الدقائق تمر متثاقلة كسلحفاة عجوز ، القطار مر منذ لحظات فقط ، القلب يوشك على الرحيل هو أيضا ، عاد ليو ( كما تناديه حسناء ) إلى هدوئه بعض الشيء ، أمسك بناصية ضربات قلبه ، ترك العنان لدخان سيجارة كي يملأ المكان ، الماء هو أيضا شارك بإطفاء بعض النيران المشتعلة .
عاد ليو إلى سؤاله الأول ، خفاش ما مر قرب النافذة في تلك اللحظة ، توقفت حسناء عن الكلام برهة قبل أن تبوح بسرها الكبير ( ألست أميرتك الوحيدة يا ليوناردو ) للمرة الأولى تناديه باسمه كاملا ، شعر بغصة في جوفه لكنه آثر إكمال الحديث ( نعم نعم وماذا في ذلك يا أميرتي ) ... توقفت مرة أخرى بصمت يخفي عاصفة ما بين طياته ( كيف إذن تخاطبها بأميرتك .. أم أن لديك الكثير من الأميرات ) ... هنا وقعت السيجارة من بين أصابعه دون أن يدري ، عادت الذاكرة إلى الوراء مهرولة لتلتقط شيئا من بحر قش مظلم ، تنفس قليلا ، انقباض الصدر بدأ يخف شيئا فشيئا ( إنها كلمة خرجت يا أميرتي ... هل تعاقبينني على مجرد كلمة ) ... قال ذلك وهو يرسم ابتسامة صغيرة جدا على ثغره .
كان الحوار ساخنا كظهيرة يوم من أيام شهر يونيو ، تماوجت الكلمات بين مد وجزر ، عادت سيجارة أخرى لتأخذ مكان شقيقتها الهاربة ، ظهرت خيوط الفجر من بين أصابع الظلام الحالك ( إنها لي وحدي ... لي وحدي ... أتعدني بذلك يا ليو ) جاءت الكلمات الأخيرة لتذيب الجليد الذي رسى لساعات طويلة ، تحولت الابتسامة الصغيرة إلى ضحكة جميلة ( يالك من فتاة ... هي لك منذ البداية ولم تذهب لغيرك حتى تكون لك ) ... ارتسمت للتو ابتسامة أخرى على ثغرها الأسمر الجميل ، لعلها تأكدت من أنها الأميرة الوحيدة في قلبه ، ساد صمت بين الاثنين لوقت ليس هينا قبل أن تفرج عن عبارتها التي مزقت ظلمة الليل ( ليو انظر ... انظر ... إني أحبك أنت كما أنت ) ، للتو تتحرك عقارب الساعة المتوقفة وتعود الشمس للظهور من خلف رابية خضراء ، بينما تركت العصافير الصغيرة أعشاشها مبكرا على غير العادة في ذلك الصباح ... ليو كان يمد يده صوب السماء ( هل يأتي المطر ) .
وليد.ع. العايش
٢٨ / ٩ / ٢٠٢١م
تعليقات
إرسال تعليق