أروى بنت الحارث ابن عبد المطلب
عرفت هذه المرأة بجرأتها في الحق وذكائها وقوة بيانها وفصاحتها، وكانت قوية الحجة.
وتصور لنا المقابلة التي حصلت بين أروى بنت الحارث وأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان الذي عُرِف ببطشه وقوة سلطانه، وكانت قد أصبحت عجوزا، جرأة هذه المرأة وبلاغتها، وقدرتها على مواجهة الملوك بقوة الحجة وفصاحة اللسان.
وتعتبر هذه المرأة نموذجاً للمرأة العربية بفصاحتها وجرأتها وبيانها.
يروى أن أروى بنت الحارث دخلت على معاوية بن أبي سفيان لحاجة لها وهي امرأة عجوز. ولكنها لم تدخل عليه دخول المستضعفين والأذلاء، بل دخول المؤمنين الواثقين، والقادرين على إحقاق الحق. ووضعه في نصابه، جهراً دو خوف ولا تردد أو خشية من سلطان، فلما رآها معاوية تدخل عليه قال لها: مرحباً يا عمة.
فقالت: كيف أنت يا ابن أخي، لقد كفرت بعدي بالنعمة وأسأت لابن عمك بالصحبة وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام. ولقد كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فأتعس الله منكم الجدود وأصغر منكم الخدود، حتى رد الله الحق إلى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو المنصور على من ناوأه ولو كره المشركون، فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظاً ونصيباً وقدراً، حتى قبض الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه، مغفوراً ذنبه، مرفوعاً درجته، شريفاً عند الله، مرضياً فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون. يذبحون أبنائهم ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى. حيث يقول يا ابن أم القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ولم يجمع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا شمل، ولم يسهل علينا وعر، وغايتنا الجنة وغايتكم النار.
وحين وصلت إلى هذا القول، لم يستطع الحاضرون أن يتحملوا كلماتها، وهي تتساقط فوق وجوههم كالسياط الملتهبة.
فقال عمرو بن العاص: أيتها العجوز الضالة، أقصري من قولك وغضي من طرفك.
فالتفتت أروى نحو ابن العاص وألقت عليه نظرة ينبعث منها الشرر وقالت له بحدة:
ومن أن لا أم لك؟
قال: عمرو بن العاص.
قالت: يا ابن اللخناء.. أتكلمني، والله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها، ولقد ادّعاك ستة من قريش كل منهم يزعم أنه أبوك. ولقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر فأتِ بهم فإنك بهم أشبه.
فصرخ مروان بن الحكم: أيتها العجوز الضالة، ساخ بصرك مع ذهاب عقلك فلا تجوز شهادتك.
فالتفتت إليه وحدجته بنظرة صارمة وقالت: يا بني أتتكلم؟ فو الله لأنت إلى سفيان بن الحارث بن كلده، أشبه منك بالحكم، وإنك لشبهه في زرقة عينيك، وحمرة شعرك، فاسأل أمك عما ذكرت لك فإنها تخبرك بشأن أبيك إن صدقت.
ثم التفتت إلى معاوية وقالت: والله ما عرّضني لهؤلاء غيرك، وإن أمك هند هي التي قالت يوم قتل حمزة في أحد:
نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب يوم الحرب ذاتَ سِعر
ما كان عن عتبة لي من صبرٍ أبي وعمي وأخي وصهري
شفيتَ وحشيٌّ غليل صدري شفيت نفسي وقضيت نذري
فأجبتها بقولي:
يا بنتُ رِقَاع عظيمَ الكُفرِ خُزِيتِ في بدرٍ وغير بدر
صبحك الله قبيل الفجر بالهاشميين الطّوال الزهرِ
هتك وحشيٌّ حجاب السّتر ما للبغايا بعدها مِنْ فخر
وهنا صرخ معاوية بن أبي سفيان بمروان بن الحكم وعمرو بن العاص قائلاً:
ويلكما أنتما عرضتماني لها وأسمعتماني ما أكره.
ولملم معاوية أعصابه وتوتره، وقال لأروى بهدوء أعصاب ونفاد صبر:
يا عمة اقصدي قصد حاجتك ودعي عنك أساطير النساء.
وفي رواية أن معاوية قال لها: عفا الله عما سلف، يا خالة، هات حاجتك.
فقالت: ما لي إليك حاجة.
ثم قامت وخرجت عنه.
فالتفت معاوية لأصحابه وقال:
والله لو كلمها من في مجلسي جميعاً لأجابت كل واحد بغير ما تجيب به الآخر وإن نساء بني هاشم لأفصح من رجال غيرهم.
د عبد الحميد ديوان
تعليقات
إرسال تعليق